تكنولوجيا

ابو الهول: أسد ام ابن آوى ؟

ابو الهول
ابو الهول
ابو الهول

ابو الهول

نشر المؤلف والباحث روبرت تمبل مؤخراً كتاباً أطلق عليه “لغز أبو الهول .” حيث يعتبر هذا الكتاب كنز حقيقي من المعلومات لأنه يحتوي على أكثر من خمسمائة من الصور والرسومات النادرة والمفيدة لأي شخص يهتم ولو قليلاً بالأسرار المصرية. على كل حال سوف يظهر الكتاب أهمية محتواه في المستقبل القريب، على الرغم من أن العديد من استنتاجات تمبل تحتاج إلى تقييم شامل، علماً أن أكثر ما ورد من معلومات في هذا الكتاب إثارة للجدل، هي تلك التي تشير إلى أن أبا الهول لم يكن أبداً على شكل أسد، وإنما صورة لابن آوى أو كلب أنوبيس

أصبح اليوم من الواضح أن رأس أبو الهول صغير جداً بالمقارنة مع جسمه ، حيث يعتقد بعض علماء المصريات المعاصرين أنه في فترة من الفترات في الماضي البعيد كان أبو الهول يتمتع بوجه بشري لأحد الفراعنة في ذلك الوقت. والحقيقة أنه تم قطع كامل الرأس مرة أخرى، ربما لاستبداله برأس حيواني بحيث يتناسب مع كامل الجسم، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أكان أبو الهول أسداً أم ابن آوى؟

لقد جاء أول دليل على أبي الهول في صورة أسد عن طريق معظم الوثائق والمخطوطات المصرية والبطلمية واليونانية والرومانية القديمة، بالإضافة إلى السجلات العربية والمسيحية التي تعود إلى العصور الوسطى، وكذلك من قصص شهود العيان للعديد من الرحالة الأوروبيين والعلماء. ومع ذلك، يعبر تمبل عن دهشته ويتساءل كيف يمكن للقصص والأساطير القديمة، التي تنتقل عبر أجيال عديدة، أن تحافظ على جوهر الحقائق التاريخية. ولكنه، يعلن بعد بضعة فصول، خلافاً للعدد الكبير من المصادر التي تشير إلى أن أبا الهول جسد لأسد، ويقول أن وجهة النظر هذه التي اعتمدت لآلاف السنين خاطئة.

لاحقاً يصرح تمبل أن أبا الهول، ربما لم يكن حيواناً من فصيلة القطط لأن جسمه ضيق جداً وظهره الحجري على شكل أفقي أيضاً، وهذا أقرب ما يكون إلى جسم ابن آوى. لكن الجواب على هذه المشكلة يمكن أن يكون في القدرات الفنية المحدودة التي واجهها النحاتون القدماء آنذاك.

وهناك رأي يقول أنه من المحتمل جداً أن يكون أبو الهول تشكل من تل لصخرة جبلية موجودة في أماكن كثيرة في الصحراء الليبية، تبدو فيها هضبة الجيزة قطعة صغيرة. فإلى الجنوب من أبي الهول لا يزال هناك مثال حي على هذه التلال، من الحجر الجيري، تحيط به الكثبان الرملية، والذي يوضح مما لا شك فيه كيف تشكل أبو الهول قبل أن يتحول إلى حيوان.

ومع ذلك، فإننا لا نعرف ما هي الملامح الأصلية للتلة القديمة. ربما لم يكن بالامكان نحت الظهر بشكل منحني وذلك لأنه كان مسطحاً. ما نعرفه على وجه اليقين – هو وجود في منتصف ظهر أبو الهول مقبرة على شكل شاقولي. وفي هذا الصدد اعتقد واحد على الأقل من المستكشفين الأوروبيين أن هذه المقبرة كانت قديمة جداً، حتى ما قبل حكم السلالات الفرعونية. وبعبارة أخرى، كانت المقبرة موجودة بالفعل عندما تم البدء في نحت النصب.

لقد أشارت قياسات نتوءات التلة الأصلية على كيفية تشكل طبقات أبي الهول العليا. وبما أن النحاتين قاموا بقطع الصخرة حول أبو الهول حتى قاعدتها، فإن شكله اقتصر على حجم وشكل التلة، وكان من المخطط أن يكون الشكل أسداً.

لعل أكبر اعتراض على فكرة تمبل حول أبو الهول-أنوبيس هو طبيعة النصب الجيولوجية. فالحجر الأصلي لجسم أبو الهول يتكون من نوع معين من الطبقات مع بعض الاختلافات. السبب هو أنه ليس هناك لدى الحجر الجيري الذي نحت منه النصب أي تقسيم طبقي متسق. حيث تتكون القاعدة من صخر لين (النوع الأول)، أما الجسد المنحني فهو من نفس نوع الحجر الجيري اللين لكن من (النوع الثاني)، وهذا الحجر الجيري سهل وهش وحساس جداً يتأثر بتغيرات الطقس. ولهذا السبب بالذات كانت الامبراطوريات التي تعاقبت على المنطقة كالبطلمية والرومانية يقدمون على ترميم جسد أبي الهول عن طريق تدعيم أساساته في محاولة لإنقاذه من المزيد من التآكل.

أما الرأس، في المقابل، فلديه شكلاً من الحجر الجيري أكثر صلابة وأكثر إحكاما وأشد من الحجر الجيري الذي نحت منه الجسد، ويمكننا أن نطلق على هذا الحجر بـ”النوع الثالث”، الذي يتميز بخاصية وهي أنه يحتفظ بخصائصه بشكل أفضل ولوقت أكبر في حال تم تقطيعه، وهذا هو السبب في اختيار النحاتين القدماء له.

ولكن العيب الرئيسي هو أن الطبقة التي نحت منها كامل الرأس ثقيلة جدا. حتى أن الرأس المصغر اليوم، يسبب في انهيار بطيء للرقبة والصدر المنحوتتين من الحجر الجيري. ويخشى خبراء الترميم المصريين المعاصرين أن يكون ثقل الرأس غير المتوازن يمكن أن يسبب في تحول مكان الجمجمة الحجرية. ولهذا السبب، أضاف بعض البناة خلال القرنين الماضيين طوقاً من الاسمنت حول الرقبة. بالإضافة إلى ذلك أيضا، فقد رفضت وزارة الآثار المصرية الاقتراح الذي قدم مؤخراً حول استعادة لحية أبو الهول باستخدام قطع تم العثور عليها بالقرب من قاعدة التمثال والمحفوظة حالياً في المتحف البريطاني وفي متحف القاهرة، وذلك لاحتمال أن تسبب اللحية في سحب الرأس إلى الأمام، وهذا بدوره سوف يتسبب في عدم الاستقرار العام للتمثال وربما فقدان الرأس نفسه.

يمكن وصف عملية إعادة بناء أبو الهول برأس أنوبيس بالانتحارية، لأن طبقات رأس ابن آوى الضخمة هي من الحجر الجيري من النوع الثالث، الذي كان بمقدوره سحق جسد التمثال المنحوت من حجر اكثر ليونة، بالإضافة إلى ذلك، فإن محاولة إعادة الخاصية الأكثر تميزاً من وجه أنوبيس، والحديث يدور عن وجهه الطويل، سوف يؤدي إلى مزيد من ضغط وزن الرأس، والذي من المرجح قد ينهار في النتيجة ويسقط.

من ناحية أخرى، في حال كان أصل أبو الهول أسداً برأس قط، لكان من الممكن أن تكون الجمجمة كبيرة. حيث تبين سلسلة من المنحوتات الصغيرة المصنوعة من العاج، كيف أن الاسد بصورته التقليدية يبدو برأس كبير، يبرز على بعد مسافة قريبة من الأرجل الأمامية. أما في هذه الصورة فقد شغل رأس أسد أبو الهول المنحوت من حجر أخف “النوع الثاني”، مكان الصدر. في حين أن الأرجل الأمامية كانت بمثابة الدعامات الهيكلية على جانبي الرأس. أما لبدة الأسد في هذه الحالة فإنها من الحجر الأثقل من النوع الثالث، أي بعبارة أخرى كان على النحاتين أن يكونوا أكثر دقة بشأن تناسق عملية تقليص من حجم رأس الأسد.

إقرأ ايضاً:  تي اي داتا تكشف حقيقة التغييرات حول السرعات غير المحدودة

من اللافت جدا أن ما تبقى من المخطوطات الملكية للسلالات الأولى وحتى الثالثة كثيرا ما تتكرر صورة لرأس الأسد مع اللبدة والأرجل الأمامية، يفترض أن بقية أعضاء جسد الأسد إما غير مكتملة أو مغطاة بالرمال. ومن بين هذه المخطوطات أشكالاً لوجه أسد سلس بدون عينين أو فم، كما لو أن ملامحه قد تم محوها بعد تعرضها للرياح لفترة طويلة. في حال كانت هي الصورة الحقيقية لأبي الهول في الجيزة، في الوقت الذي بدأت مصر تتأسس كدولة، فإن هذا دليل بأن التمثال أقدم بكثير حتى أنه ربما يعود للحقبة ما قبل السلالة الفرعونية.

مما لا شك فيه حقيقة أن البنائين القدامى لم يكونوا ليتركوا مثل هذا التمثال في حالة سيئة، وربما حاولوا ترميمه من أجل إحياء ميزات جديدة لأبي الهول. يشار إلى أنه في منطقة أبو الرواش بالقرب من الجيزة شمالاً تم العثور على تمثال صغير لأبي الهول يعود إلى السلالة الرابعة، لديه جسم أسد ووجه قط كبديل عن وجه امراة. ربما نرى هنا تجسيداً آخر لأبي الهول يجري الحديث عنه من خلال الأساطير والقصص العديدة، وهنا يمكن أن نستذكر الأسطورة اليونانية القديمة أوديب الذي واجه أبو الهول بوجه امرأة في الصحراء وقام بحل اللغز القاتل.

لم يتم التأكيد حول فرضية العالم تمبل التي تقول بأن أبا الهول كان على شكل أنوبيس، ومع ذلك فإنه يوفر المزيد من الأدلة التي تشير أنه في مكان ما على هضبة الجيزة كان هناك معبد لعبادة إله ابن آوى مع تمثال كبير، ربما يتناسب مع تمثال أبي الهول. ويشير هنا تمبل على سبيل المثال أنه هناك لوحات جدارية ونقوش تصور شكل أنوبيس في قمة المكان المقدس في العديد من المصاطب الملكية البارزة أو مواقع الدفن من السلالات الرابعة والخامسة، والتي تقع في الجزء الجنوبي من هضبة الجيزة. وهنا يعتبر المؤلف عن طريق الخطأ هذا التمثال والمعبد على أنهما أبو الهول ومعبده، لكن في الواقع، فإن أبا الهول يقع في مكان أقرب إلى الحافة الشرقية للهضبة، حتى أنه من المحتمل لم يكن يمكن رؤيته من المصاطب. وفي حال كان تمثال أنوبيس موجود على الهضبة، فإنه على الأرجح كان موجوداً إلى الجنوب الغربي في أعلى المصاطب.

يستشهد تمبل بنصوص الأهرام ونصوص المقابر وغيرها من سجلات الدفن القديمة، والتي تصف أرض روستاند الأسطورية، والتي اعتبرها العديد من المترجمين أنها مكاناً حقيقياً في مكان ما في منطقة الجيزة. وتربط بعض النصوص المقدسة روستاند بمعبد أوزوريس الذي يقع بالقرب من الطريق وتحيط به مياه بحيرة ابن آوى. ويؤكد تمبل من خلال مشاهدته ومراقبته للمناظر الطبيعية المحيطة بأبي الهول، أن نهر النيل في العصور القديمة كان يفيض سنوياً وتصل مياهه حتى منطقة أبي الهول وعن طريق القناة الضيقة كانت تحيط المياه بأبي الهول نفسه.

و مع ذلك، ومن خلال البراهين والأدلة التي قدمها العالم عن أبي الهول وأنوبيس، يشير تمبل عن طريق الخطأ الطريق الذي تم ذكره في النصوص القديمة على أنه طريق هرم خفرع الذي يمتد بين الجانب الجنوبي من أبي الهول وخندقه أو بحيرة ابن آوى. وهو بهذا يتجاهل أن النصوص تتحدث عن الطرق و البحيرات في صيغة الجمع، وبالتالي يمكن القول أن هذه الأماكن كانت كثيرة. وبإمكاننا من خلال دراسة الأماكن في النصوص الجنائزية أن نجد العديد من المراكز الدينية في الجيزة منذ العصور القديمة، ومعبد أنوبيس المفقود الآن ليس إلا واحداً منهم.

ويرتكب تمبل خطأ أساسياً عندما يفترض بأن جميع هذه المراكز الدينية متصلة بطريقة أو بأخرى كهيكلية واحدة حول أبو الهول. و هذا مخالف للنصوص، والتي تعطي وصفاً فريداً من نوعه لكل مركز ديني على حدى، ربما لم تكن هذه المراكز بحكم طبيعتها متحدة مع بعضها البعض أبداً.

يبدو أن معبد أنوبيس الذي يبحث عنه تمبل له علاقة على الأرجح بطريق هرم منكاورع أو الهرم الثالث بالجيزة. ويشير الكاتب بأن تمثال أنوبيس الوحيد الذي تم العثور عليه في الهضبة، كان تمثالاً صغيراً أخضراً من الديوريت الذي اكتشف في أطلال المعبد الجنائزي منكاورع على الشرق من الهرم الثالث. ويظهر تمبل في كتابه صوراً قدمتها وكالة ناسا عن هضبة الجيزة تبين علامات واضحة عن العديد من الجدران والهياكل في الجزء الجنوبي من الهضبة، علماً أنه لم يتم حتى الآن إجراء الحفريات في هذه المنطقة.

في العصور القديمة عندما كان النيل يفيض كانت المياه تصل إلى الطرف الجنوبي من الهضبة إلى حافة المجمع منكاورع، لذا يعتقد بعض العلماء أن “بحيرة ابن آوى” كانت هنا، وكانت النصوص الجنائزية تصف أنوبيس على أنه إله “في أعلى التل”، ولو كان تمثال إله ابن آوى الكبير موجود حقيقة فوق الهضبة، لكان من الممكن رؤيته بشكل واضح من نهر النيل.

على الأرجح، فإن معبد أنوبيس والتمثال المفقودين تم بناؤهما من الحجر بدلاً من أن يتم نحتهما من التلة الكبيرة كما حدث ذلك مع أبي الهول. ومن المتوقع أنهما تعرضا إما للسرقة في وقت لاحق أو أن الصحراء قد ابتلعتهما عندما حلت الفوضى في نهاية عصر الدولة القديمة.

إتبعنا على مواقع التواصل 😍👇

أكتب تعليقك ورأيك